header
 

الشاعر نصار الصادق الحاج في وحدته المتعالية

جزء من عمل مطوّل يحاول تسليط ضوءً على أصوات شعرية جديدة

بقلم : نصر جميل شعث*

جزء من مقدمة:

لا يختلف عدوٌ مع حبيبٍ على أن نصوص الشعراء الذين يعيشون هذا الخراب الواسع في العالم، نصوص مفككة تُحاكي حالة التفكيك والتشظي العامة على كافة الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية. إنّ شاعرَ هذه اللحظة المعاصرة يتوكأ على غربةٍ هي مدارُ قلقٍ وأسئلةٍ في ذاوت مُشتعلة. بهذا الاتكاء يستطيع القاريء الإصغاء إلى النصّ ـ الإنسان ـ السؤال ـ الوطن؛ حيث سيهتدي إلى غزارة تشبيك وإسقاطات تحتاجُ إلى تفكيك واقعي اجتماعي قيمي. فالذوات المتفرّقة في النصوص ليست ذواتاً مفردة وحسب؛ إنها ذواتُ التحوُّل المختلّ الذي يفرض على الشاعر صياغة علاقات جديدة بين أنا الشعر، والأنا الكونية.

وبإشارة تبليغٍ أدقّ: فإنّ الشعراء الجدد يقدّمونَ نصوصاً تحمل رؤى ومواقف وتجارب تتشكل، باستمرار، في ظلّ ثلاث خطابات ضدّ القيم والإنسان:

الخطاب الأول: الجانب السلبي الطاغي من خطاب العالم الجديد المشبع بتنظيرات من قبيل العولمة والحداثة وما بعد الحداثة، وهيمنة ثقافة على ثقافة، وهو خطاب بموازاة ذروة التقدم والاكتشافات العلمية المذهلة. وها نحن نعثر على نقد شافٍ لهذا الخطاب، القديم الحديث، من ت. س. إليوت الذي يقول: "إن المخططين العالميين الذين يجمعون بين الجدية والإنسانية قد يكونون، إذا آمنا بنجاح طرقهم، خطراً على الثقافة لا يقل عن أؤلئك الذين يمارسون طرقاً أشدّ عنفاً. فثمة نتيجة حتمية فيما يتعلق بقيمة الثقافات المحلية: وهي أن الثقافة العالمية التي تكون ثقافة مُوحّدة وكفى لن تكون ثقافة على الإطلاق، إنما سنحصل على إنسانية مُجرّدة من الإنسانية. إنها كابوس"(1)

الخطاب الثاني: خطاب عصا النظام السياسي العربي، الذي هو بمثابة خطاب، ضدي، مزدوج: محلي،عالمي:

أ. محلي بمعنى أن إعمال العصا الدائب محلياً نجح (والسؤال إلى متى سيظلّ ناجحاً) في خمد الشارع، وبالتالي تكريس أجيال منهزمة بداخلها أمام كل الخطابات؛ [ نلاحظ كثرة التوقيعات: شاعر عراقي/ فلسطيني/ سوري/ سوداني... يقيم في...[وعدد ما شئت من بلدان المهجر]

ب. عالمي بمعنى أنه قد مكّن الآخر المتربص من إيجاد ثغرة لتدخله وتغلغله و"مغنطسته" المؤثرة في منطقة القرار السياسي العربي؛ بحجة محاربة العنف والقمع والإرهاب وإرساء الديمقراطيات وأسس القيم والعدالة في العالم.

الخطاب الثالث: خطاب إجرائي تمليه رِدّةُ "الغرب" على "الشرق"، وهو مُترتّبٌ عن الخطابين الأول والثاني. خطاب الرِّدة هذا يترجم على أرض الواقع برجعة استعمارية متوارية في لباس إعلامي مخادعٍ ماهرٍ في "صناعة العدو" محشوٍّ بصيغ تأمين الحقوق الإنسانية في عالمنا الثالث التالف. ويشير إدوارد سعيد، إلى ذلك، في "الاستشراق" بقوله: "ولئن كان العالم قد أصبح مباشرة في متناول المواطن الغربي الذي يعيش في العصر الالكتروني، فإن الشرق أيضاً أصبح أكثر قرباً منه، ولربما كان الشرق الآن أسطورة إلى درجة أقل مما هو مكان تتقاطع فيه المصالح الغربية، وخاصة الأمريكية.. ويضيف: إن أحد جوانب العالم الالكتروني، وما بعد الحديث، هو أن تعزيزاً للنماذج المنمطة التي يُعايَنُ بها الشرق قد حدث، وفيما يخصّ الشرق فإن التسوّي والنمذجة المنمطة الثقافية قد زادا سيطرة المعرفة الشيطانية الجامعية والتخيلية لـ"الشرق المبهم الغامض" (2)

::::::/ نصار الصادق في وحدته المتعالية /::::::

.. ندلفُ الآنَ في عوالم الشاعر السوداني نصار الصادق، وهي، بالمناسبة، عوالم غابوية غامضة مركبةٌ، والنصوص التي يطرحها معظمها ذات مكانة آهلة بالمخالطة بين الواقع والرمزية؛ والرمزية التي نقصدها هي تلكَ التي تُعَرّف "بأنها فنّ التعبير عن الأفكار والعواطف، وليس بوصفها مباشرة ولا بشرحها من خلال مقارنات صريحة وبصور ملموسة، ولكن بالتلميح إلى ما يمكن أن تكون عليه صورة الواقع المناسب لهذه الأفكار والعواطف، وذلك بإعادة خلقها في ذهن القاريء من خلال استخدام رموز غير مشروحة، هذا على أية حال جانب واحد من جوانب الرمزية وهو ما يسمى بالعنصر الشخصي أي الذي يتصل بالجانب الإنساني، وهناك عنصر آخر يمكن أن يوصف أحيانا بأنه(الرمزية المتجاوزة) والتي تستخدم فيها الصور الملموسة، وليس كرموز لأفكار ومشاعر خاصة تعتمل بداخل الشاعر، وإنما كرموز لعالم شاسع ومثالي يعتبر العالم الواقعي بالنسبة له شبيها غير متكافيء"(1). هذا نصّ بعنوان "هذيان" للصادق، فيه:

وحيدٌ

في الركن المعتم من خلوة العراء

بشوك متناثر في وبر الخراف

يخيط جلباباً يسع الشتاء

يعركُ رأسه بقلق عاجل

تحت وطأة الشّهوات الطارئة

بينما امرأة ضالّة مثله

تمرّر ضفائرها بنزوة طائشة

عبرَت كبرقٍ فاشلٍ في مراوغة المطر .

بقراءة أولى في النص السابق تتكشف لنا حالة الشاعر وهي تَمْثُلُ في خلوة العراء. هذي الخلوة، هي، سلّم الوصول لأعلى مراتب العزلة باعتبارها الفيصل الذي يفصل الشاعر عن الواقع الملموس، ويبقيه في كينونة التأمل والقراءة في محافل العراء الأرضي الذي تنتجه المآلات الدنيوية "المُعاصرَِة". إن حلول الإنهدام في الواقع الإنساني والثقافي والأخلاقي والأمني يضع الشاعر في الكينونة عُليا أو كما تسميها جوليا كريستيفا بـ " الوحدة المتعالية التي تنهض عليها الرمز، أي في خلوته الماورائية ومبعث بثِّهِ"(2)؛ فيها ينجو بالذات من هذا الانهدام الدنيوي، بمتعلقاته المعنوية والمادية. وذلك عبر قيامه بتصّورٍ وبـبناء تعويضي في عالم "الميتا"؛ وبذلك هو يُحقّق لذاته التوازن والحماية من هذا الانهدام. وكان خزعل الماجدي قد كشف عن هذا المعنى في مقالة "ميتا جماليا الشعر" بقوله: "إنّ كل هذه البنية الفيزيقية للوجود تقابلها بنية جمالية خيالية دفعها الإنسان لكي يوازن بها نفسه أمام حصار الأسئلة الرهيب هذا من بنية الفن تقابل بنية الوجود كاملاً؛ فلذلك يجب أن تتمثله مجهولاً معلوماً فإذا سقطت بنية الفن في جمالية تقابل المعلوم والمكتشف من أسرار هذا الكون سقطت هذه البنية في شرك الواقع، وظلت أسيرةً ما تقع عليه أبصارنا؛ ولكنها لو استطاعت أن تعبّر عن ما يرى وما لا يرى، من كل هذا الإحساس الغامض والثقيل بالوجود؛ فإنها لا بدّ أن تذهب إلى أبعد من ذلك.. وعند ذاك فقط تكون قادرة على التوازن.."(3) ويتجلّي ذلك من سفرِ الذات المنهدمة إلى خارجِها الحُلُمي الشعري المثمر في خلوةٍ ضروريةِ واتقائية في الوقت ذاته. حيث الاتجاه نحو تعميق السؤال وإحاطة البؤرة الذاتية بدائرة مسرعةٍ في طرح أسئلة الرغبة والخلاص. وثمة من لغة الذاتِ صورة تعبيرية يختصرها الشاعر للمكان بوصفه أجردٌ عارٍ إلا من [شوك متناثر في وبر الخراف]، ما يُبرّر العزلة كضرورية لتعرية الذات من محيطها الشائك، والانشغال الشعري بحياكة الكساءِ [يخيطُ جلباباً يسعُ الشتاء]. هذا الجلباب الشعري في كينونته؛ تنفتح على دلالته رغبة منشدة لكسوةِ المكان وإحداث تغييرٍ، كما تُؤشّر لذلك جماليةُ الصورة الشعرية. وثمة تضافر حادثٌ، في النص، بين تأويل الرغبة في إحداث التغيير، وبينَ ظهور المرأة في حالتها الضلالية الممالثة لحالة الشاعر الذي يزاول حلُمَهُ تحت وطأة الشهوات(الرغبات) الطارئة، ولا يعني أنها تطرأ وتزول دونما رجعة، فهي رغبات (شهوات) ملحاحة. وسيظل تفاقمها مشروعٌ طالما أنّ المرأة، التي لم تهتدِ بعد مثلما لم يهتدِ ذو خلوة العراء، تمرّر ضفائرها بنزوة طائشة، وتعبر كبرق فاشلٍ في مراوغة المطر. وهكذا نتصور مزاوجة أو مقاربة الشاعر بين رؤيته المنفردة المعتدة بكسوة المكانِ وشهوته المفرطة للمرأة - الرمز الكامل التي ليست على هدى. وإنه لمن الواضح أن الرغبة الشعرية هنا تلبس ظاهر المرأة كبؤرة كاملةٍ مشتهاة في ظرفٍ حُلُمي هذياني دائبٍ وحيّ في ترميزه، وعلى هذا النحو تنماز نصوص الصادق بمخالطة مرموقة، وبارتهان وبعلائقية ملفتة ودائبة، بموجبها تتكشف الذات المستدرجة إلى فعل الكتابة بلغة مكثفة تطرحُ في الذات الكاتبة أقصى التباساتها وتلكؤاتها وفرارها من المعلن إلى التائه في لفيف خفيٍّ من معانٍ وصورٍ ومفارقاتٍ جمّة يطرحها عالم الذات.

ومن المكانة الانفرادية ذاتها يُفْرجُ الشاعر عن مزيدٍ من خلاصات الخلوةِ، فهاهو في نص "أول الوقت" التالي يكثّف من أفعال الحاضر(يستدرج، يلوذ، يكشط، يسهر، يتسرب) بما تعنيه من ولوج للذاتي وتعمّق في تحريك المشهد في لحظة ذهابٍ عن ملموساتِ المكان ونواقض الخلوة من ثرثرة عابرة/ولقاح يمجّد الصوتَ، أو هي الريح الناقلة للقاحاتٍ من فئة الضجيج والفوضى والأتربة ودخان المسافة الذي يخفي قمرَ الرغبةِ، ويحاول الشاعر في كشطه ليضيء بأحجاره المكان.

من زجاج النافذة

يستدرج الكائنات إلى ظلال الضحى

ثرثرة عابرة

ولقاح يمجّد الصوت

يلوذ بالوقت من عزلته الواسعة

في الليل

يكشط قمراً واحداً ليضئ بأحجاره

دخان المسافة

يسهر مع كأس واحدة من نبيذ الحدائق

تحت أجراس تعزف الأناشيد

صوت موسيقى

يتسرب هادئاً

من حناجر المراهقات في ثيابهن الزرقاء .

ولعلّ في نصّ "يحدث" التالي، أيضاً، ما يخدمُ السياق المتولّدة في مضمونه إشارات الذات ورغباتها وتوجهاتها الطامحة لكسر حاجز الصمتِ المتكاثر جرّاء كوابت وفعالياتِ السطوة وتظاهرات العصا التي في يد رياح الآلهة:

يحدث

أن يصرخ الصمتُ بشهوة الكلام

يفتح الصوت في رياح الآلهة

حينما يعلو الضجيج في ذاكرة الشوارع

ويصعد الغبار إلى جنة الكون

بينما

الأصوات الفارغة

تواري ظلال شهوتها لبرهة

قبل أن يعود الصدى

باهتاً يتسلق نهايات الصراخ .

فهو يلحّ في خلوة العراء بواسطة حلمه أو مطالبه الشعرية على استدراج الكائناتِ إلى ظلال الضحى نأياً به وبها عن دخان المسافة الذي هو العتمة في الليلِ بلا قمرٍ، لذلك يجتهد بحسه وحمولته المعنوية لخلق نافذة رمزية تطلّ على مستقبلِ تنشده كائناته. تعالوا نتأمل خارطة البناء النصيّ في صورته المطروحة:

يستدرج الكائنات إلى ظلال الضحى

ثرثرة عابرة

ولقاح يمجّد الصوت

يلوذ بالوقت من عزلته الواسعة

في الليل

يكشط قمراً واحداً ليضئ بأحجاره

دخان المسافة

يسهر مع كأس واحدة من نبيذ الحدائق

سنلاحظ أنه بين كلّ فعليين في النصّ السابق تنحصر أو تنحشر(لاحظوا أنني لم أقل انحصرت أو انحشرت) تظاهرة هي، بالضرورة، على الضدّ من فردانية الشاعر، وهو في خلوة العراء مُعطلاً الصوت، ومانحاً لنفسه صمتاً تضاء فيه حواسه و مناطق فضائه ورجائه الذاتي، لكن، بفجاجةٍ، تلاحقه وتتدخل في فضاءه الذاتي [ثرثرة عابرة، ولقاح يمجّد الصوت]. وتَحْمِلُ الجملةُ الفعلية [يلوذ بالوقت من عزلته الواسعة] معنىً طارئاً لتخليصِ الذات ووقتها من تلك العزلة الواسعة المنصرف مدلولها إلى المكانِ والزمانِ بفعالياته وتظاهراته الممقوتة الواسعة. ولنا قراءتان في عمارة النصّ:

الأولى: [يلوذ بالوقت من عزلته الواسعة /في الليل]، ونستخلص من هذه القراءة أن الهروب بالوقت يكون لظرفٍ مقابل للظرفِ المتسبب في عزلة الشاعر الواسعة/ وطالما أنّ الفعل ينشط (في الليل) فمعنى ذلك أن الظرف الممقوت الخانق للشاعر هو ظرف النهار.

الثانية: [في الليل/ يكشط قمراً واحداً ليضيء بأحجاره/دخان المسافة] و، أيضا، نستخلص من هذه القراءة أنّ الليل ظرف مخاض وولادة وحضانة الذات المضطلعة بأعباء مشتركة بين الفردي والمجتمعي لدى الشاعر.

في هذا الظرف المعاصر ينبثق خطابٌ شعري غائي، كما نقرأ ذلك في نصوص تنم عن ذات واعية لما يجري داخل حلقة الخطابات الثلاثة(*) كما بلّغْنا عنها، آنفاً. الأمر الذي يدعوننا، أيضاً، لمخالفة الرأي الذي جاء به أبو ديب في قراءته لـ"اللحظة الراهنة للشعر"؛ لاسيما مع قوله: "إن الذات، الآن، ذات لا تصدر عن وعي للتاريخ أو هوس به أو حتى انشغال به؛ وحين يبرز الزمن مكوّناً تجريبياً فإنه ليس الزمن- التاريخ بل زمن الماضي الشخصي الفردي للذات. بكلمات أخرى، يقول أبو ديب، لا يتجسد انهيار حس التنامي العضوي بالإشارة إلى المستقبل فقط وموت مفهوم الحركة الغائية المجسدة لحركة التقدم بل بالإشارة إلى ماضي أيضا- الشعر الآن هو شعر اللحظة الراهنة، ومن وجوه ذلك التركيز على البرهة وإنتاج القصيدة البرهية، والبرهية لا تمثل احتفاء بالحاضر(كما هو شعر أبي نواس مثلا الذي صدر عن رفض للماضي من أجل الحاضر)، بل شعر الذات التي لا يشرنقها وعي تاريخي ولا تفهم اللحظة الحاضرة باعتبارها وليدة التاريخ- كما كان شعر الحداثة في تحولها الثاني- بل تحسها لحظة منقطعة قائمة في ما يكاد يكون انقطاعاً زمنياً كلياً عن نهر الزمن المتدفق".(4) إنه ليس من تعليق، على ما سبق، سوى القول، من طرفنا: إنّ الحكم الذي يطلقه، أبو ديب، ليس سوى رأي أكاديمي مسبق يعتدّ بحراسة وبتسييج حديقة الخطاب الشعري التي طرحته رموزه أمثال "حاوي وعبد الصبور أدونيس ودرويش وغيرهم ممن يمتلكون وعياً تاريخياً بهذا المعنى"، كما يذكر الحارس..ويضيف: " لقد كان أحد مكونات مشروعهم الحداثي إعادة صهر التاريخ وصياغته ضمن مسرد كلي جديد. أما الشعر الآن فإنه ينتسج خارج فضاء التاريخ أو مشيحاً عنه"(5) لكن، بالانتباه، وبتركيز النظر، وبالتدقيقِ في الهويات الشعرية الراهنة نجد أنّ شعر اللحظة يصدر عن وعي للتاريخ، وانشغال، وانصهار في بؤرة الراهن العاكسة، ورفض هذا الحاضر الذي تتجدّد فيه أفعال الماضي. وعليه، فإنّ "نص المُعاصَرَة" على مستوىً راقٍ من الثقافة والوعي والقراءة في الحاضر ورفضه وبذله الرغبة في تغيير، هذا الحاضر، واستبداله. كذلك نجد ما يشير، بكثرة، لوجود وعي تاريخي وفهم للحظة المعاصرة باعتبارها وليدة التاريخ. كما تظهر المعالجة القادمة في نصّ حواء" وفيه:

القطرة

حواءُ المياهِ العارية

تأكلُ الفاكهةَ

في بيت الأرضِ

والقُبّرةُ في شجر المكانِ

خارج الجنّة

تغرّدُ بصوت مشروخ

لكنه غارقٌ يفتحُ نهرَ الحريةِ في ليلِ الجهات.

ما جاء في النص: تأمل فريد وتأويل لقطرة المياة عارية وهي تسقط، فيما القطرة تعريفٌ لـ"حواءَ المياه العارية (التي) تأكل الفاكهة في بيت الأرض. إذ الدلالة تنصرف لمعاصرة الخطيئة التي تمارس في بيت الأرض على كائناتها، حيث [ القبّرة في شجر المكان/ خارج الجنة/ تغرد بصوت مشروخ].. فالقبرة أحد كائنات الأرض، وهي تنفرد بطبيعتها برمز الحرية، غير أنها في هذا المشهد خارج طبيعتها/الجنة، تغرد بصوت مشروخ. كذلك نلاحظ احتشاداً لمفردات مؤنّثة متواشجة ومتعاضدة فيما بينها وهي:[ القطرة، حواء، المياه، العارية، القبرة، الجنة، الحرية، الجهات] وثمة، أيضاً، ملاحظة، جديرة بالانتباه، ماثلة في تعداد صيغ وظرفيّات المكان في النصّ، كالتالي[ في بيت الأرض، في شجر المكان، القفص، خارج الجنة].

القطرة = حواء المياه العارية (في بيت الأرض) تأكل الفاكهة.

هو= "الشاعر" غارق (في ليل الجهات) يفتح نهر الحرية.

القطرة = "كينونة مائية" = حياة.

القطرة تسقط . الحياة تسقط.

القطرة = حواء المياه.

القطرة = حواء = الحياة تسقط.

القطرة العارية = حواء المياه العارية "تأكل الفاكهة".

القطرة = المياه العارية = حواء العارية= الحياة العارية.

لحظة العريّ لحواء = خطيئة.

فعل العريّ = "تأكل الفاكهة".

وفي السطر الأخير "لكنه غارق يفتح نهر الحرية في ليل الجهات" قوة استدراك تدفع به خارج الواقع "وحيداً في الركن المعتم من خلوة العراء بشوك متناثر من وبر الخراف / يخيط جلباباً يسع الشتاء"! وهذا نص بعنوان "خيول"، فيه:

العرين مكتظ بحيواناتٍ

غسلتها السماء وهي تئنّ بين أقفاص خانقةٍ

صنعها حدّادون برفات السّيخ

الذي خلّفه الإنجليز تحت طوب السرايات

كائنات يركبها طلاب كلية الشرطة منتصف النهار

لذلك تبدو كارهة لهذه الياقة الخضراء

بين أقواس الإسطبل

تجوع

تعطش

تصهل

يزجرها الخفير بلعنة بارزة الشتيمة

لكنها نكاية بهؤلاء جميعا

تقذف مخلفاتها خارج القفص.

في هذا النصّ، أيضاً، نقفُ لغايةٍ في نفس كائنات الشاعر. ذلك أنّ ثمة تعدّد لصيغ وظرفيات المكان كما نرصدها في النصّ [ بين الأقفاص، تحت طوب السريات، منتصف النهار، بين أقواس الإسطبل، خارج القفص]، و الـ"خيول" كما " القبرة " في نصّ "حواء" كائناتٌ مُنطلقةٌ بطبيعتها- إذ هي رمز طبيعي مرئي ملموس لرمزٍ معنوي مفقود وهو "الحرية". هذه الـ[ كائنات] "يركبها طلاب كلية الشرطة "منتصف النهار" الذي هو مُحدّد ظرفي غائي يرمي إلى إضمار استنكار حقيقة جارية ومعاصرة وعارية كـ"منتصف النهار" الظرف الذي يمارس، بمعنى، يركبُ فيه "طلاب كليّة الشرطة" الذين هم (أدوات = عصا النظام) هذه الـ"كائنات" الكارهة. الكائنات التي بين أقواس الإسطبل تجوع، تعطش، تصهل؛ كما هي القبّرة " تغرّد بصوت مشروخ"، ويزجرها الخفير بلعنة الشتيمة!(القمع). لكنها، والترجمة النحوية والمعنوية لـ: "لكنّها" في النصّ هي: لكن حرف استدراك خارج بقوة، والهاء ضمير متصل بالكائنات؛ قوة الاستدراك هذه تنم عن وعي بضرورة الخروج والتحرر من صيغ وظرفيات المكان التي صنعها حدادون برفات السيخ (الشرق) الذي خلقه الإنجليز(الغرب). وعلى هذا النحو تتجلي الثلاثُ خطابات وتطبيقاتها "داخل نصّ المعاصرة"، وهكذا هو خطاب الشاعر المعاصر للإجراء المعمول به بمقتضى مقولة (لاشيء خارج النصّ). (نصّ الشرق) الذي يُفسّره ويضعُ تمثيلات له الغربُ. (نصّ الكائنات) الذي يخضعه النظام المحلي بأدواته ويقمعه؛ (نصّ المعاصرة) الذي يعيش في زمانه ومكانه و يقرأ فيه الشاعر بوعي حاضر: نصَّ الشرق الذي يفسره ويضع تمثيلات له الغرب، ونص الكائنات الذي يخضعه النظام المحلي وبأدواته يركبه ويقمعه.

بعد القراءة في ما وراء.. وفي علاقات المنظومة اللغوية(المفرداتية) لنصوص الصادق نصل إلى إدراك مقدار وعي الحاضر الذي يمثل لحظةً وليدة التاريخ والثقافة المؤثرة في مساحة واسعة داخل الذات النصية - الذات المعاصرة، التي استطاعت تنصيص العالم كله، وإيجازه كما تكشف لنا ذلك في "خيول". وبهذه المناسبة ينبغي لنا أن نتصالح ونتقاطع مع جاك ريدا الذي يصل "إلى ما يمكن أن نعتبره لا وعي النص، أو اللاوعي النصيّ، حيث يكون النصّ (الظاهر) تنصيصاً، يتشكّل عبر طبقات متعددة، ومستويات مختلفة، منها ما هو نفسي/ وما هو اجتماعي، وما هو ثقافي، وما يرتبط بالعالم، ويكون دور الناقد مقلباً طبقات النصّ".(6)

إشارات :

1."ملاحظات نحو تعريف الثقافة"، ت.س.اليوت، ترجمة: شكري محمد عياد، ص72.

2.الاستشراق، ، ادوار سعيد، ، مؤسسة الأبحاث العربية، 1978، ترجمة: كمال أبو ديب، ص55.

ص59.

3. الرمزية، تشارلز تشادويك، ت: نسيم إبراهيم يوسف، الهيئة العامة للكتاب- مصر 1992، ص42.

4. علم النصّ، جوليا كريستيفا، ترجمة: فريد زاهي، دار توبقال للنشر- المغرب1997، ص24.

5. من مقالة ميتاجماليا الشعر لـ جزعل الماجدي.

6. مجلة "فصول" المجلد15، العدد الثالث- الجزء الثاني، خريف 1996، ص17.

7. السابق، ص17.

8. مجلة "الكرمل"، عدد30، ص188.

 

* نصر جميل شعث، كاتب فلسطيني

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco