header
 

نحو رؤية ثقافية مستقبلية

مقاربة تحليل فاعلي

 

 

الشيخ محمد الشيخ

قسم الرياضيات،  جامعة ، التحدي،  سرت – ليبيا

 

انعقدت في مدينة سرت، ليبيا في الفترة ما بين 31 /7 – 3/8/2005  ندوة تحت عنوان: العلاقات الثقافية العربية الإفريقية – رؤى مستقبلية .وكانت الندوة تحت رعاية رابطة الأدباء والكتاب العرب بالجماهيرية. وشارك فيها الاتحاد العام  للأدباء والكتاب الأفارقة والاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب . ولما حالت ظروفي الخاصة دون المساهمة بورقة بحثية علاوة على عدم تمكني من حضور جلسات الندوة بانتظام رأيت أن أكتب هذه المداخلة على هامش الندوة.

 

 إن المشكلة الحضارية المميزة التي تجمع ما بين الشعوب الأفريقية والشعوب العربية هي التخلف. وهي مشكلة في جوهرها ثقافية : عجز كل من الثقافة العربية والأفريقية عن إنتاج علم وتكنلوجيا وعجزهما عن إبداع نهضة وتنوير وحداثة. لذا فإن القضية  الأساسية للرؤى المستقبلية للعلاقات الثقافية العربية الأفريقية تتمثل في تضافر الجهود تصدياَ لهذا التحدي الحضاري : لماذا تقدم الآخرون وتخلف العرب والأفارقة ؟ وكيف يمكن تجاوز هذا المأزق؟

 

إن أي محاولة للإجابة على هذه الأسئلة لا تنفصل عن وعينا لما ينبغي أن تكون عليه الثقافة. وعلى الرغم من وجود عدد هائل من التعاريف لهذا المصطلح إلّا أننا نعرف الثقافة- في إطار رؤيتنا- بأنها جاهزية معرفية لأجل إنتاج الوسائل المادية والقيم الروحية ، أي أن الثقافة فاعلية . نقصد بالفاعلية القدرة على إنتاج وإثراء الحياة  جمعاء. هذا يعني أن نظرية عامة للثقافة ينبغي أن ترتبط بنظرية في الفاعلية وتركيب العقل. ونسبة لأن المقام لا يسمح بالخوض في هذه القضايا نكتفي بالإشارة إلى أن الفهم الدينامي والفاعل للثقافة – عوضاَ عن الفهم الهلامي الاستاتيكي – يتطلب النظر إلى العقل البشري على أنه يتكون من ثلاث بنيات للفاعلية كل منها تنتج وتثري الحياة وفقاَ لخصائصها التكوينية. يقصد ببنية العقل النسق أو النواة التوليدية للوعي التي تحدد فكرة الإنسان عن نفسه ومنحى استجابته وتفاعله مع العالم. والبنيات هي :

1- بنية عقل تناسلي : هي البنية التي يعي الإنسان ذاته من خلالها بوصفه كائناَ ( جنسياَ ) وظيفته ودوره في الحياة التناسل. من ثم يشكل التناسل والأسرة مرجعية نهائية لهذه البنية.

2- بنية عقل مادي ( برجوازي) : هي البنية التي يعي الإنسان ذاته من خلالها بوصفه كائناً مادياً وظيفته ودوره في الحياة إنتاج واستحواذ الخيرات المادية. لذا يشكل العمل واستحواذ الخيرات المادية مرجعية نهائية لهذه البنية.

3- بنية عقل خلاق : هي البنية التي يعي الإنسان ذاته من خلالها بوصفه كائناً خلاقاً نشطاً وظيفته ودوره في الحياة الإنتاج والإثراء الشامل للحياة. لذا فإن المحبة والعطاء الشامل تشكل المرجعية النهائية لهذه البنية .

         كل فرد من أفراد المجتمع يحتاز البنيات الثلاث . لكن بناء على طبيعة الشروط والتحديات الاجتماعية والحضارية الكائنة تسود إحدى البنيات، تسود البنية الأنجع في تصديها لمجمل التحديات التي يواجهها المجتمع. يقصد بالسيادة أن تستدمجها غالبية أفراد المجتمع . إن سيادة بنية عقل بعينها لا يعني إلغاء البنيتين الأخريين ، بقدر ما يعني قدرة البنية السائدة على توظيفهما لمهامها وأغراضها. لذا تتآزر البنيات حينما تفلح البنية السائدة في تقديم استجابة ناجعة، وتتنازع السيطرة حينما تفشل البنية السائدة في توفير الأمن والحماية لأفراد المجتمع. حينما يستدمج فرد بنية بعينها لا يعني ذلك أنه يقبع في حضنها بصورة مطلقة. إن أهم سمة لبنيات العقل على صعيد الفرد وصعيد المجتمع هي حراكها.

 

تركيب بنية العقل :

         تتكون كل بنية للعقل من وجدان( جملة العواطف والمشاعر، ويهمنا في هذا المقام القدرة على الحب)، جنان (القدرة على الفهم والاستدلال والتحليل. . )،  وذات ( وعيها لذاتها) ، غير أنها تختلف في وظائفها بناء على طبيعة المرجعية النهائية لكل بنية. نقول إن بنية العقل مغلقة ( وجدان مغلق) إذا كان برنامجها للعطاء محدود يقصر عملية الحب والعطاء في دائرة ضيقة تشمل الشخص وأسرته وربما عشيرته أو طائفته. وتكون بنية العقل مفتوحة إذا كان برنامجها للعطاء مفتوحاً يحقق الإثراء الشامل للحياة . في هذا الإطار تعتبر كل من البنية التناسلية والمادية مغلقة ، وأن البنية المفتوحة الوحيدة هي بنية العقل الخلاق.

الوجدان ومنظومة القيم :

 

تتحدد منظومة القيم وفقاً للمرجعية النهائية للبنية وحسب انغلاق أو انفتاح الوجدان . لذا فإن منظومة القيم في البنية التناسلية، منظومة تناسلية تعمل على تكريس دور المرأة والرجل في التناسل وتجعل من تكوين الأسرة غاية الحياة وليس وسيلتها. ورغم الأهمية البالغة لهذه البنية ومنظومتها القيمية التي حافظت على بقاء الحياة البشرية وصيرورتها إلّا أنه يعاب عليها تدني الفاعلية وذلك لكونها مغلقة. ويمكن قول الشيء نفسه بالنسبة لمنظومة القيم المادية التي تكرس دور الإنسان في إنتاج واستحواذ الخيرات المادية، فهي أيضاً محدودة العطاء. لذا فإن البنية الوحيدة التي يمكن أن تجسد قيم العدل والتسامح والعطاء الشامل هي بنية العقل الخلاق لأنها كونية الوجدان. تحدد كل بنية مفاهيم الشرف، الكرامة ، التنمية،  معنى الحياة. . الخ. فالشرف في مفهوم البنية التناسلية هو شرف الأسرة ( الشرف الجنسي)، وهو في مفهوم البنية المادية شرف العمل والثروة، وهو في نظر بنية العقل الخلاق شرف العدل والعطاء. وربما كان في مقدور التناسلي إدراك أهمية التنمية الاقتصادية أو الإبداع ولكن عادة - في أرض الواقع - لا يتوفر له الدافع  لينخرط في مثل هذه المشاريع. هكذا تتمايز منظومات القيم وتتمفصل وفقاً لتمايز بنيات العقل.

الجنان (Reason) :

لا يعتمد الجنان في تصورنا لتركيب بنية العقل على المنطق فقط ، بل يعتمد أيضاً على مكون الدلالة في البنية الذي يحدد المرجعية المعرفية ( الابستيمة) العاملة ومرجعية الفعالية السببية . بما أن المنطق لا يختلف من بنية عقل إلى أخرى ، فإن المرجعية المعرفية لكل بنية تتحدد وفقاً لمكون الدلالة في البنية . ولما كانت بنية العقل التناسلي متدنية الفاعلية ( بنية وعي قصور) فإن مكونها الدلالي يقذف بمرجعية الفعالية السببية خارج الذات وخارج الكون ، لذا فإن مرجعيتها المعرفية وخطابها يكون ذا طبيعة خرافية وغيبية. هذا بينما تكون المرجعية المعرفية مادية بالنسبة للبنية البرجوازية ، وتكون المرجعية المعرفية هي الفاعلية بالنسبة لبنية العقل الخلاق.

الذات : 

يتحدد وعي الإنسان لذاته بناء على بنية العقل التي يستدمجها ، فهو تناسلي إذا كانت البنية المستدمجة تناسلية ، ...ألخ. ينبغي أن يمنحنا هذا التوصيف الإحساس بأن العقل الخلاق مغروس فينا جميعاً ، وأن سلم الفاعلية في داخلنا ، وأن ما يؤسف له أننا عادة نعيش بجزء يسير من فاعليتنا. 

النمو والتشكل:

تنمو وتتشكل ( تسود) بنية العقل التناسلي حينما يكون المجتمع متخلفاً وليس من وسيلة لدرء زيادة معدل الوفيات إلّا بزيادة معدل المواليد، وحينما تكون القوة العضلية للرجال والنساء صماماً للأمن الاجتماعي والغذائي. تنمو وتتشكل بنية العقل البرجوازي حينما تستنفد بنية العقل التناسلي مهامها فتوفر البشر كمياً ، ويصبح الهاجس الجديد هو هاجس الأمن الغذائي للملايين التي اكتظت بهم المدن عوضاً عن هاجس الانقراض الذي كان سيفاً مسلطاً على البنية التناسلية. لم تسد بنية العقل الخلاق عبر تاريخ البشرية لأن هذا التاريخ ما زال تاريخاً دارونياً ، ومع ذلك فقد تمت الاستعانة بها في نهوض الحضارات المختلفة ، وأن ممثلي هذه البنية بين ظهرانينا – نعم  أقلية- لكن لا تخطئهم العين من مصلحين اجتماعيين ومبدعين وفنانين وأدباء . . وأناس عاديين يجمع بينهم جميعاً أن أخلاقهم أخلاق عطاء – يعطون بلا منّ  أكثر مما يأخذون. 

 

الثقافة :

تسمح لنا المقدمات آنفة الذكر بتقديم نظرية عامة للثقافة . ولنبدأ بتعريف البناء الاجتماعي ، فنقول إن البناء الاجتماعي هو نسق تنازر ( تنازع أو تآزر ) بنيات العقل تحت سيادة إحداهن . عندئذ تتحقق الثقافة بوصفها جاهزية معرفية من خلال نسق تراكب المرجعيات المعرفية والقيمية ، أي أن الثقافة هي نسق تراكب الخطاب التناسلي والمادي والخلاق. كل ثقافة كان ذلك في الماضي أو الحاضر تتراكب من هذه الخطابات. هذا يعني تكافؤ جميع الثقافات ، لا توجد أفضلية لثقافة على أخرى من حيث التركيب. مع ذلك هناك ثقافات أكثر دينامية وفاعلية ، ويرجع السبب إلى طبيعة بنية العقل السائدة ومن ثم الخطاب السائد . عليه يمكن وصف الثقافة بأنها تناسلية إذا كان يسودها الخطاب التناسلي ، وأنها مادية إذا كان الخطاب مادياً ، وإنسية إذا سادها خطاب الفاعلية. في ضوء هذا الفهم يمكن وصف كل من الثقافة العربية المعاصرة والثقافة الأفريقية المعاصرة بأنها ثقافة تناسلية ، بينما هو واضح أن الثقافة الغربية المعاصرة ثقافة مادية.

 

الرؤى المستقبلية:

إن طرح المشكلة في هذا الإطار يلقي بالمسئولية على أكتاف المفكرين والمثقفين العرب والأفارقة بضرورة تفعيل ثقافاتهم ، وضرورة الانتقال من الفضاء التناسلي إلى الفضاء البرجوازي ، وبطبيعة الحال يفضل حرق المراحل والانتقال بقفزة واحدة إلى فضاء الفاعلية، إذا توفرت القوى الاجتماعية الفاعلة لذلك. مع ملاحظة أن هذا الانتقال لا يمكن أن يتم بالعنف والإرهاب، كما لا يتم بالوعظ والإرشاد. أولاً، لا يجدي العنف لأن العنف من الآليات التي يعيد بوساطتها الفضاء الدارويني إنتاج نفسه فيؤبد كينونته، عليه من المستحيل الانتقال إلى فضاء الفاعلية عن طريق العنف. ثانيا، لا يجدي الوعظ أو الإرشاد لأن بنية العقل سابقة انطلوجياً للنص أو الخطاب ومولدة لدلالته على نحو انتقائي يتلاءم وأغراضها. لتوضيح هذا المبدأ ، نأخذ القرآن الكريم ( أو أي نص مقدس آخر ) نجده نصاً شاملاً – حمال أوجه كما قال الإمام علي ، عليه السلام – النص الشامل هو الذي يخاطب جميع بنيات العقل ويشتمل على كل منظومات القيم : التناسلية والمادية والخلاقة . لذا حينما يقرأه التناسلي يتماها مع ذاته داخل النص، وكذلك الخلاق . المشكلة، كما ذكرنا أعلاه، أنه ربما قدر التناسلي أو المادي أهمية منظومة القيم الخلاقة : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان"، " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون " ، " وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " ، ولكن عند الممارسة العملية لن يجد التناسلي أو المادي الفاعلية التي تمكنه من تجسيد هذه المعاني ، لأن هذه المنظومة كونية وهي بالضرورة  تحتاج إلى وجدان كوني. سؤال يطرح نفسه في هذا السياق بحكم طبيعة ثقافة شعوبنا العربية والأفريقية : هل يتسنى توسيع المرتكزات الابستملوجية للعلم المعاصر فيتمثل منظومة القيم الخلاقة ، ومن ثم تتوحد المقاصد النهائية لكل من العلم والدين ؟

 

لكل هذه الأسباب تحتاج عملية الانتقال إلى فضاء الفاعلية إلى آليات جديدة نجملها في :

1- آلية لنمو الفاعلية .

2- نواة حضارية مولدة للفاعلية.

3- نظرية للمعرفة الشاملة .

وهذا ما لا أستطيع أن أخوض فيه الآن، ولكن يمكن الرجوع إلى :

1 – الشيخ محمد الشيخ, التحليل الفاعلي – نحو نظرية حول الإنسان, مركز الدراسات السودانية ، القاهرة ، 2000 .

2 – الشيخ محمد الشيخ، التحليل الفاعلي – نحو نظرية حول الإنسان ، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، 2001

3- E. M. Elsheikh, Towards a Science of Faeeliya, Expanding Human Consciousness, Dena Hurst (ed.) , Lulu publishers, U.S.A., 2004.                                

4- Faeeliya studies center:  www.faeeliya.org

                 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco