header
 

إغتراب الثقافة

ماجد إسماعيل السناري*

يقول سارتر عن المثقف: هو ذلك الإنسان الذي يدرك التعارض القائم فيه وفي المجتمع بين البحث عن الحقيقة العملية..وبين الإيديولوجيا السائدة..وما هذا الوعي سوى كشف النقاب عن تناقضات المجتمع الجوهرية، لذا فهو الشاهد على المجتمعات الممزقة التي تنتجه..لأنه يستبطن تمزقها بالذات وهو بالتالي ناتج تاريخي، وبهذا المعني لا يسع أي مجتمع أن يتذمر ويشتكي من مثقفيه من دون أن يضع نفسه في قفص الإتهام لأنهم هم صنائعه ونتائجه.

كان اكتشافنا للغرب في أواخر القرن الثامن عشر بداية لحزمة من الأزمات التي ما زالت آثارها ماثلة حتي الآن، لا سيما وأنه لم يتوفر أي اتفاق بين مختلف إتجاهاتنا الفكرية والاجتماعية حول كيفية التعامل مع هذه الظاهرة المزلزلة، فسعت تياراتنا في مجابهة الأزمة بين الهجرة الذهنية لتراث في الفكر العربي الإسلامي الوسيطي معبرة عن رفض للفكر الأوروبي الوافد جملة وتفصيلاً، محتسمة منتج ماض سعت لتضمينه في ظرف حاضر.. بينما إستعارت تيارات أخرى وبالكامل منظومات ومصطلحات الفكر الذي إنفتحت عليه مع الحملة الفرنسية أومن بعدها، فصار كليهما يغرب أسئلة واقعه الإجتماعي المتأزم في رحلته البعيدة في التاريخ أو الجغرافيا، الرحلة التي يقومان فيها بفصل أشكال تبلور المعرفة عن أشكال التطور الإجتماعي وبالتالي يفترق النص الثقافي عن النص الإجتماعي فنعيش إزدواجية مزرية تؤدي للإرتباكات التي تصل ذروتها في المواجهات المسلحة بين أبناء الوطن الواحد عندما تقف الأسئلة تائهة في عراء التاريخ دون مجيب بسبب من إتساع الرتق بين خلل في البني الإجتماعية وبين ما يدور في مستويات السياسة والثقافة والإقتصاد ....إن مصطلح الواقع هو الوحيد القادر على الفعل والتأثير، فلا مصطلحات الماضي ولا الآخر بقادرة على تطوير حياتنا أو حل مشكلاتنا سمها شوري، سمها ليبرالية.. كلها وليدة صراعات ليست صراعاتنا وإجابة أسئلة طرحت في ظروف أو مواقع أخرى، إن أسئلتنا تبحث عن إجابات تفصل علي مقاييسها ولا تنسجم مع الجاهز دوماً .. إن المحك أمامنا هو محك تأسيس أفكارنا ومصطلحاتنا داخل منظومة حياتنا وداخل صراعتنا اليومية، داخل حياتنا الحاضرة والممكنة، وداخل مناخات تفاعلنا الإجتماعي، لتعبر بدقة وحيوية وعمق وترد على جذوة الحياة المتقدة والمتجددة كل يوم بدلاً من أن نبقي أطيافاً من بلد واحد تتكلم نفس اللغة دون أن يفهم بعضها بعضا، دون أن تتفق لا على المشكلة ولا الحل، إن الإعتراف بالماضي المجيد فضيلة. وإكرامه يكون بالوفاء لجوهره أي لتلك القيم التي تأسست فيه فشكلت عظمته، قيم العقل والإنفتاح والحرية التي مثلت الموروث التاريخي الحقيقي وعبرت دائماً عن التأويل العقلاني للدين هذا التعبير الذي نحتاج إستلهامه ونحن نؤسس لمصطلحنا الإجتماعي المقابل والجديد ..لا يمكن بأي حال شطب تراثنا من ذاكرتنا وإستبداله باللجؤ لمخزون الحضارة الغربية السائدة والتي لا تمثل أكثر من مرحلة من مراحل التطور الحضاري الإنساني لا نرفضه بل نسعى للتفاعل معه واستيعاب منجزاته المثمرة والإفادة منها كشركاء في الإنسانية وفي صناعة تقدمها ضمن جدل الحضارات ... لقد نجحت الثورة الفرنسية لأنها كانت حصيلة اشتغال الذات على ذاتها ومعالجة الوعي الزائف الذي ساد بسبب من سلطان الفكرة القدسية، كشف خرافتها وحررت العقول من عنتها وهذا هو أعظم أنواع التحرير. مواجهة المشاكل الحقيقية والإستجابة لها ثقافياً، بلورة المصالح العامة للمجتمع، مواجهة قضاياه الحقيقية، المصارحة الداخلية للذات مع ذاتها، الحفر في أعماق المجتمع بدلاً من الهروب عنه أو القفز عليه وتبني الإيديولوجيات المقنعة من تجارب في الحاضر أو الماضي بسبب من كسل عقلي وخيانة للماضي والحاضر معاً..أنه مجهود لابد من بذله وفاء لوجودنا، لا بد للمثقف أن يخوض غمار صراعه ومعركته مع نفسه ومع اليقينيات السالبة التي ترسخت عبر الأجيال، تلك التي تعيد إنتاج واقع التخلف في علاقة جدلية مع بنيته والنمط الإنساني الخارج عنها في علاقة دائرية تولد فيها بنية التخلف إنسانها ليعيد إنتاج البنية نفسها مرة أخرى.. لقد حذر ابن خلدون منذ سبعة قرون مضت وهو الوفي لتراثه وحاضره، عندما اعمل مبضعه الفلسفي/التاريخي في تشخيص راهن التخلف راداً ذلك إلى انغلاق الأمة على عقلها البدوي، النقلي المغترب في الزمان رغم تبدل الأحوال وتغير الناس والعمران..المغترب في الزمان لا يفرق كثيراً عن الوجه الآخر للعملة، وهو التماهي في الآخر، الإغتراب إلى نموذج يختلف في إشكالاته السياسية والإجتماعية وتبني أطروحات يعجز عن ترسيخها في الواقع المختلف فتتعرض إلى إنهاك حقيقي فلا تعد قادرة علي النجاح في تحقيق أي شئ، وتتحول أحاديث التنمية والنهضة والتقدم الحضاري إلى مجرد خطابات مستهلكة لا تتعدى وظيفتها ستر جسد السلطة الثقافي وخمار بقائها.. أشار إلي مثل هذا جان بول سارتر الذي اعتبر أن شرط التحرر الوجودي والمجتمعي هو التحرر من الاستلاب الثقافي والحضاري إزاء الهيمنة الغربية، والتقى معه في نفس الفكرة مؤلف «معذبو الأرض» فرانز فانون...

إننا ندعو للاستعانة من ثقافتنا وتاريخنا بالقيم الكبري التي شكلت منعطفات التقدم وخصبت قدراتنا فأدركت واقعها ونحن نواجه بتحديات من مثل مصطلح الحضارة الغربية وتداعيات الحداثة، هذه الحضارة التي تقدمت في إنتاجها على كل صعيد ننفر من طابعها الإمبريالي والذي لا ينفصل عن وجهها الرأسمالي، وهذا غير النفور السلبي من منتجاتها وعلومها ومناهجها، لأن الفشل في التعاطي مع الجانب المادي والعلمي لهذه الحضارة يمثل أعظم نقاط ضعفنا، ويمثل ظاهرة قديمة تمتد جذورها لمواقف نفسية متوارثة من جيل إلي جيل بسبب من سيادة منحي لا علمي في تفكيرنا وغياب الفضول المعرفي، والميل لقبول التفسيرات المتداولة والموروثة دون مساءلة، والميل أيضا للقبول للظواهر والتسليم بانفصالها واستقلاليتها دون محاولة السعي للكشف عما بينها من علاقات سببية، والاكتفاء بالتقييم النوعي دون السعي للقياس الكمي في التعامل مع الحقائق المادية في الكون الطبيعي، نمط عقيم لا يقود إلي نتائج تمكن من السيطرة على الظواهر الطبيعية، على عكس التفكير العلمي النابع من فضول لا يشبع ومساءلة دائمة للظواهر حتي تكون هنالك حاجة للسعي والبحث عن العلاقات السببية التي تربط الظواهر، مع توفر روح النقد الذاتي (أي وضع الفرضيات والنظريات مع الاستعداد الدائم لإلغائها ودحضها واستبدالها في حالة ثبوت خطئها دون أن نسبغ عليها أي قدسية .. هذا ما نحتاجه مثلنا مثل الحضارة الغربية نفسها والتي عبرت جسر دورتنا الحضارية في التواصل مع تراثها والتقدم الإنساني، غيرت في ثقافة تخلفها وغيرت في عقلية القرون الوسطي، فبدأت دورة جديدة من التقدم، إننا إذا أخذنا النظر إلي تجربة حديثة أخرى كالتجربة الصينية في التطور نجد أنها شكلت نموذجا فريدا من المزج بين أدوات التحليل الماركسي وعمق الثقافة الكونفوشيوسية وتطلعات وأحلام الشعوب الجنوبية المضطهدة والمحرومة، ومن ثم كان سحرها وإغرائها الواسعين حتى خارج المجال الصيني الضيق.

وأيضاً تيار «لاهوت التحرير» في أمريكا اللاتينية الذي قام على استيعاب المثل والقيم اليسارية داخل النسيج الروحي لمجتمعات شديدة التمسك بهويتها الدينية. ومن قبل وضع لينين روسيا على طريق الثورة الصناعية والقوة وهو يرفض الأيديولوجيا الغربية ولم يفعل ذلك بطرس الأكبر من خلال لبس الملابس الأفرنجية وحلق ذقون كبار المسئولين ..إن تلقيح المثل العليا في تراثنا بقيم التقدم في التراث الحضاري الإنساني دون الذوبان في الأيديولوجيا الغربية التي شيئت حتي الإنسان وسلعته علي رأي لوكاتش أو هجنته داخل مضامين صيرورتها على رأي ماركوزة سيضعنا على قدم المساواة النفسية مع هذا الغرب ويحرر من أرواحنا وطاقاتنا الكامنة، لكن للأسف أن الخطاب التحليلي لغالب مثقفينا قد تم إستيعابه تماماً إما ضمن مصطلحات الفكر الإسلامي الوسيط أو في المقولات الغربية الحديثة وبالتالي تلاشت مقدرتهم التحليلية بدرجة تدعو للأسي..

 

*ماجد إسماعيل السناري، من مواليد بحري في يناير 1963، درس طب الأسنان وعمل طبيباً للأسنان بمستشفي ودمدني، ثم نال درجة الماجستير في الفيزيولوجي من جامعة مانشستر. عمل مساعداً للتدريس بقسم الفيزيولوجي بكلية الطب جامعة الجزيرة، قبل الإنتقال إلي الولايات المتحدة حيث درس السايكولوجي. ونال الدكتوراه من جامعة الباسفيك في كاليفورنيا. عمل في عدة مؤسسات للعلاج السلوكي في بنسلفانيا ويعمل حالياً نائباً للمدير في شركة هاند اند هارت بفلادلفيا. متزوج وأب لطفلة واحدة.

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco