header
 

بين مزمار محمود وصليل سيف الجلاد!

صراع الرؤى الإسلامية حول مفاهيم الثقافة والجمال في السودان (1)

عبد الجبار عبد الله*

توطئة

كان في تصوري المبدئي أن أتناول مادة هذه الدراسة في دفعة واحدة عبر كتابة مطولة تأتي على الموضوع كله من شتى جوانبه وتشعباته كما يتوقع في دراسة يطمح فيها القارئ إلى الوقوف على كيف يكون التقابل الصارخ الحاد بين رقة وعذوبة ألحان المزمار وصليل وقعقعة السيوف التي تصطك لها الأرواح قبل الأسنان وكيف يكون صراع الرؤى حول مفاهيم الثقافة والجمال في تراث وفكر الشهيد محمود محمد طه من جانب وفي عيون وفكر خصومه وجلاديه الذين زهدوا كدأبهم في الفكر والحوار واختزلوا طريق الخلاف المضني الطويل، بحبل المشنقة القصير وحد السيف والحرابة من الجانب الآخر. ولكني آثرت لأسباب عملية –يخصني الجزء الأعظم منها- التأني في دراسة الموضوع وتناوله، وتقسيمه إلى حلقات متصلة، تنشر عبر هذا الموقع، وتتاح لها فرصة الإفادة والإثراء بالنقاش والحوار التفاعلي مع القراء، كي تصل إلى هدفها وتحقق غرضها وهي أكثر وثوقاً واطمئناناً إلى ملامستها كافة جوانب الموضوع الذي تناقش، واستيفائها دون تعجل لشروط ومتطلبات البحث العلمي. بهذه القناعة، وحرصاً مني على الإسهام الجاد في إحياء ذكرى اغتيال الشهيد محمود محمد طه، وتأمل معاني ذلك الاغتيال، أبدأ بنشر الحلقة التمهيدية الأولى من هذه الحلقات. وآمل أن تلاقي هذه الفكر ة، هوى في نفوس القراء المكدودين مثلي والموزعين بين شتى هموم الحياة ومشاغلها التي يصعب الفوزفي خوض سباق ماراثوني أعرج معها.

رحلتي إلى الجحيم!

في لفحة نهار يوم صيفي قائظ الحر من عام من عام 1984، اختطفتني إحدى عصابات الأمن إلى مكاتب "القسم العقائدي" بمقر جهاز الأمن العام. وبعد تحقيق متوتر لئيم مقتضب، أحلت إلى زنازين السجن الداخلي –التي عرفت لاحقاً وعلى المستوى العالمي ببيوت الأشباح، سيئة الذكر في بدايات هجمة الإنقاذيين الغاشمة على الحياة والإنسان وحقوق الإنسان- وهناك طال أمد إقامتي، وعرفت كيف للإنسان أن ينام نوم الديك حرفياً، مع هبوط كل طائرة محملة بالسودانيين القادمين من ليبيا يومي الاثنين والخميس إن لم تخني الذاكرة في مطار الخرطوم. كنت حينها أشفق على الزنزانة الصغيرة الضيقة التي لا تزيد مساحتها على بضعة أمتار تكفي لتمديد القدمين، حين تغص بعدد كبير يستحيل جلوسهم على الأرض ناهيك عن التفكير في الإغفاء أو النوم. عندها تمضي الساعات الطوال ونحن نرفع رجلاً وننزل أخرى مثل طيور الرهو والبجع، ولا يكون ثمة مهرب في نهاية الأمر من نوم الديك، حين تتهادى الساعات السلحفائية الثقيلة، وحين يسري التعب والإنهاك في خلايا ومسام الجسد الجوعان المكدود، بطيئاً وقاتلاً كسريان السم.

أما معتقلو الطائرات الليبية المجني عليهم، الذين ذاقوا الأمرين كما يقول محمود، وعانوا أشد ألوان التحقير والعذاب على يد جلادي الأمن، فكان معظمهم من أبسط بسطاء السودانيين الذين ضاقت بهم الحياة في بلادهم، فذهبوا إلى ليبيا حيث امتهنوا مهنة الرعي أو عملوا في أشغال البناء وخطوط أنابيب النفط وخفر المباني وغيرها من المهن التي لا تتطلب كثير خبرة ولا تأهيل. وكان معظمهم أمياً حتى لحظة انتقاله إلى سجن كوبر حيث فك منهم من فك الحرف ومحا أميته هناك. وصادقت الكثير منهم من داخل الزنازين وأنشدنا وغنينا ومثلنا معاً في الليالي التي أقمناها داخل السجن لمختلف المناسبات الوطنية لاحقاً، ونشأت بيننا أجمل العلاقات التي يستطيع السودانيون خلقها في عز صحراء العبث والعدم. كان اعتقالهم بالعشرات والمئات جريمة كبيرة بحق مدنيين أبرياء ما عرفوا للسياسة سبيلاً ولا وعياً ولا حماساً.

وحين رأيت الفوج وراء الفوج يأتي ويمر عبر زنزانتي إلى سجن كوبر، وأنا وحدي الذي كتب عليه أن يحمل "صخرة سيزيف"، يجوع عمداً وينام نوم الديك مرتين في كل أسبوع على الأقل، قررت أن أبدأ إضراباً منفرداً عن الطعام. وبررت رفضي تناول الطعام بطلبين تقدمت بهما إلى مسؤولي الأمن. أولهما استعادة كتبي التي صودرت مني لحظة اعتقالي –كان بينها الأعمال الكاملة لشكسبير ونسخة مترجمة إلى الإنجليزية من القرآن الكريم- وثانيهما تقديمي إلى محاكمة عادلة وإدانتي أو إطلاق سراحي فوراً. فيما يتعلق بمطلب استرداد الكتب، كنت جاداً وعازماً على الموت من أجلها إن دعا الأمر. وبالفعل نجحت في استعادة 8 من جملة 13 كتاباً منها، مرفقة باعتذار مكتوب من ضابط في جهاز الأمن عن بقية الكتب التي لم يعثروا عليها. كان اسم ذلك الضابط "جلال" فيما أذكر. أما المطالبة بالمحاكمة أو إطلاق السراح، فلم تكن سوى مناورة تكتيكية مني، كان هدفها تحقيق حلم "الترقية" السريعة إلى سجن كوبر والتخلص من جحيم زنزانتي اللعينة، وأنا الزاهد في حلم الحرية بعدما رجموني به من شتائم واتهامات عويصة يندى لها الجبين، تؤكد جميعها طول إقامتي في السجن.

عودة إلى زنزانة الأمن اللعينة تلك، كنت قبل دخولي إليها قد قرأت تعريفاً للكاتب الفرنسي الكبير هونريه دو بلزاك، ورد في معجم أدبي أنيق رصين متخصص في سير الشخصيات الأدبية العالمية جاء فيه كناية عن معاناة بلزاك في حياته الفقيرة المعذبة "كان بلزاك يسكن في بيت لا يوجد فيه إلا بلزاك نفسه"! لا أورد هذا التعريف تنطعاً أو تلميحاً إلى رغبة سرية منى في مضاهاة نفسي ببلزاك، ولكنها لعنة الأمكنة البائسة الشقية، التي صورت لي بيت بلزاك الخاوي من كل متاع الدنيا ومباهجها، إلا من ساكنه، قصراً دافئاً مرفهاًِ ومخملياً حسدته عليه، وأنا حبيس زنزانتي البائسة الخاوية إلا من بلاطها الخشن الذي كنا ننام عليه مباشرة دون فرش أو لحاف حين لا تهبط الطائرات الليبية، أو "تطب"علينا مجموعة جديدة من المعتقلين الداخليين. في مثل تلك الحالات الهادئة كنت برفقة اثنين آخرين مستديمين، أحدهما سوداني مختل العقل يدعى إبراهيم، وآخر مجزوم يدعى محمدو من جمهورية مالي. وحتى لحظة خروجي منهما، كنت قد استأنست من وحشة المكان بحضورهما، ولكني كنت في الوقت ذاته، حزيناً لوجودهما في ذاك المكان الغريب، ومنشغل التفكير دائماً بطبيعة تلك المؤسسة الشريرة التي تطال مخالبها الشرسة حتى أمثال إبراهيم ومحمدو. بالمناسبة كانت المرة الأولى والوحيدة في حياتي التي ألعب فيها أوراق "الكوتشينة" مع ابراهيم، وكان يفوز علي دائما، ويعقبها في كل مرة بضحكة مدوية ومترعة بنشوة الانتصار والفرح وهو يصيح في وجهي وأذني بعبارة "كيشا ... كيشا ... كيشا".

ولعنة الأمكنة البائسة الشقية نفسها، هي التي أحبطت لاحقاً حلم "ترقيتي" إلى سجن كوبر. وكان تشبثي بذلك الحلم، تشبث الموعود بالانتقال من كوخ تعيس كئيب إلى فندق مهيب فخم من فنادق الخمس نجوم! ولكن هيهات وليس أمام الظمآن سوى سراب الصحراء. فقد طار قلبي من الفرح، حين استعدت كتبي المسروقة، مصحوبة بقرار الانتقال أخيراً إلى "كوبر". وبعد دهليز وراء الآخر، وانحناء وركوع وقيام، عبر الأبواب والمنافذ الضيقة التي شقت عبر الجدران الحجرية السميكة العتيقة، دلفت أخيراً إلى حيث يريدون إنزالي. وكان حظي كالحاً حين ذهبوا بي إلى قسم "الورشة". وهي ورشة بحق كانت تستخدم لهذا الغرض، إلى أن اتسع عدد السجناء والمعتقلين وفاض بهم السجن، فما كان من بد من التوسعة على "عباد الرحمن" فكانت نعم الورشة، وكنا نعم العباد!! هندسياً كانت مثل كل ورش النقل الميكانيكي والسكة الحديد وغيرها، مصممة من عنبرين طويلين ماهلين، شيدا من السيخ والحديد والأسلاك، وسقفا بصفائح الزنك الحارق نهاراً والبارد برودة الثلج في زمهرير الشتاء ليلاً.

ونظراً لنقص المراتب والأسرة التي تسد حاجة كل "عباد الرحمن" المعتقلين، فقد لفت نظري لحظة دخولي مباشرة، أن عدداً كبيراً من الأسرة كان يسع الواحد منها لسجينين بدل الواحد! كيف؟ أرجو ألا يشتط بكم الخيال إلى أسرة الـ double bed)) في داخليات البركس وغيرها من داخليات جامعة الخرطوم ومعهد الكليات التكنولوجية سابقاً. فالمقصود هنا أن "عباد الرحمن" ينقسمون كيفما اتفق إلى "طبقتين"، بعضهم يتمدد كما البشر العاديين فوق سرير مفروش بملاءة نظيفة على الأقل، وإن كانت مهلهلة ومهترئة وعفا عليها طول "السهك" والانبطاح. أولئك هم المحظوظون من أبناء "الطبقة العليا" الذين أنعمت عليهم الورشة بفيض رزقها وكرمها المعطاء. أما أبناء "الطبقة السفلى" فهؤلاء هم أهل الدرك الأسفل من الجحيم، ولم يكن أمامهم من بد سوى الانبطاح كيفما اتفق تحت السرير، على ملاءة أو بطانية أو بدون. قلت وأنا أدخل القسم واستسلم لقدري الذي لا مفر منه: "إن كان حظك بين أبناء "الطبقة السفلى" فمن الأحرى بك أن تتمرن من الآن على مد اللسان طويلاً من بوابة القسم، حتى تتقن فن لهاث الكلاب التي ترقد تحت الأسرة والعناقريب عادة في البيوت، عندما يشتد بها هجير حر الشمس! تأملوا بالله عليكم لحظة، ما كانت تفعله "شريعة الكيزان" بعباد الرحمن، الذين ورد ذكر إكرام كل واحد منهم وإعزازه ورفع منزلته في كافة نصوص القرآن الكريم! ولكن عفواً .. يا سادتي للخطأ الفادح، إذ كنا في واقع الأمر فئراناً وصراصير وجرذاناً في عيون الكيزان المستبدة الصلفة بحكم التربية والتكوين السياسيين. فأين مزمارك العذب، أين أنت من كل هذا يا محمود؟ لقد كنت رجلاً من غير ذاك الزمان.. كنت فيهم غريب الوجه واليد واللسان... فكيف لا يكفروك ويصلبوك ويقتلوك؟! طوبى لروحك .. طوبى للغرباء كما قال المسيح.

مشاهدات حية من جوار ساحة العدالة الناجزة

ولما شرعنا في الولوج الوئيد التدريجي إلى صلب موضوعنا الرئيسي، فقد كانت "الورشة" مجاورة لما كان يعرف باسم "ساحة العدالة الناجزة" سيئة الذكر، التي تعيد للأذهان رعب وذكريات مقصلة سجن الباستيل الرهيب. ففي تلك الساحة كانت تنفذ أحكام الإعدام وتجز الرؤوس وتكسر الأسنان وتفقأ العيون، تقطع الأيادي ويصلب المحكومون بأحكام الحرابة. لم تنفذ أحكام فقأ العيون ولا كسر الأسنان بالطبع، لكنها المكان الذي خصص لهذه الأغراض، وحتى لحظة خروجنا من السجن في السادس من أبريل 1985، كان أحد المحكومين في انتظار تنفيذ حد السن بالسن عليه. من هناك ومن أمام عيوننا مباشرة كانت تمر طوابير الرعب والوحشية والبربرية المريعة كل أسبوع تقريباً. والمثير للسخرية في تلك الطوابير، أن أبسط المحكومين وأدناهم وعياً وتعليماً كان يتقدم الطابور وهو على علم بمدى عبثية ولا معقولية تلك المؤسسات والقوانين التي تحيل المجرم الحقيقي بحق بلد بكامله، إلى قاض ومفت وجلاد، وإلى خصم وحكم في آن، يدعي لنفسه حقاً وتكليفاً إلهياً بتقويم السلوك الاجتماعي. ولا أشك لحظة في أن الشاعر محجوب شريف هو من استعار من أولئك المحكومين في إحدى "حضراته الشعرية" المسكونة بحب الناس ومعرفة خلجات ومكنون نفوسهم، ما كان يردده كل واحد لنفسه سراً وهو أمام الطابور من عزاء شخصي للذات:

"حليلك بتسرق سفنجة وملاية

وغيرك بيسرق خروف السماية....

تصدق في واحد بيسرق ولاية؟!!"

وفي عيون ووجوه وضحكات وابتسامات أولئك الذين كانوا يقادون إلى ساحة "عدالة الإخوان الناجزة" رأيت سخرية وهزءًَ بتلك المسرحية الهزلية السخيفة، الباعثة على الغثيان والضحك رغم مأساويتها ووحشيتها. وفي وجه كل واحد من المحكومين، رأيت شيئاًَ من سخرية وفلسفة بطل رواية "الغريب" للكاتب والفيلسوف الفرنسي البير كامو. فقد كانوا مثله في زهدهم عن الدفاع عن أنفسهم، أمام طائلة عبثية وكوميديا لامعقولية القوانين والمؤسسات الاجتماعية التي جرمتهم وأدانتهم. وعلى رغم الحواجز الشاهقة وتجهم ملامح الطابور الدموي، تبادلنا الضحكات والابتسامات وكلمات الوداع الأخيرة، مع عدد من المحكومين بالقصاص –بمن فيهم المحكومون بعقوبة الإعدام- وهم يقطعون خطواتهم الختامية المفضية بهم إلى الموت. ولم يكن غريباً أن يفلت أحدهم من أمام الطابور ليخطف سيجارته أو "تخميسته" الأخيرة من أحد أصدقائه الواقفين منا وراء سياج الورشة، علماَ بأننا كنا نشكل دائماً جمهور المودعين الأخيرين إلى مسرح العرض الدموى.

وما هي إلا لحظات تتلى فيها الإدانة والمصادقة القضائية عليها، فيعقبها ذلك الصوت المدوى الذي يصم الآذان، فتسقط على إثره الجثة هامدة في جب بئر المشنقة المظلمة. عندها تتحول السخرية والنكات على عبثية الوجود كله، إلى غصة حنظلية المذاق، يصعب على الحلق ابتلاعها أو احتمال مرارتها. وفي خلايا الجسد المستباح المصعوق، تسرى رعشة وحمى غريبة، لا يعرف مصدرها حين يخلد الواحد منا إلى فراشه. وأنى لك النوم والكوابيس المفزعة، وأنت ترى إنساناً مر من أمامك سليماًَ معافى يهز الجبال قبل لحظات، ولم يخرج من "مسلخ العدالة" إلا وقد تحول إلى رميم أو حطام إنسان مبتور الأوصال، أو خرج منها محمولاً على آلة حدباء بعد أن حولوه إلى جثة هامدة لا حراك فيها! من هناك مر الواثق صباح الخير، وبعده عشرات ... عشرات آخرون، قبل أن يمر منها أخيراً المفكر الشهيد محمود.

عندما استيقظت على مقام محمود

من القراء التمس المعذرة إن أطلت في الوصف والتقديم، ولكن كان من المهم جداًَ أن أرسم صورة الأجواء القانونية والسياسية والنفسية والأخلاقية التي أحاطت بمحاكمة الأستاذ وتجريم فكره وتعليقه على حبل المشنقة قبل تصفيته جسدياًَ والتخلص منه مرة واحدة وإلى الأبد... ولكن هيهات. وقبل أن تكون هذه الكتابة شهادة من داخل السجن على ما جرى قبيل الإعدام وفي عشيته وصبيحته، أستشعر من خلالها أولاً وقبل كل شيء، واجباً فكرياً وأخلاقياً معاً، إزاء الكشف عن تلك المؤسسة الظلامية الغاشمة، التي استلهمت عقلية "محاكم التفتيش" من أضابير وتجاويف القرون الوسطى، واستنهضت تقاليد القمع الفكري والسياسي كلها –برصيدها الإسلامي والمسيحي معاً- لتستخدمها أداة وسيفاً مسلطاً على رقاب خصومها السياسيين والفكريين، بل لتشطب بها الإسلام كله بضربة لازب واحدة، فلا تبقى منه سوى حد العقوبة والسيف.

كان ذاك هو فحوى المحاكمة المهزلة التي شاهدناها وتابعنا تفاصيلها من داخل السجن. وكان ذاك هو مضمون "الاستتابة" التي سخر منها محمود قبل غيره، أيما سخرية ومضى سامقاً فارع القامة والطول إلى أعواد المشنقة، مستعيداً بذلك في لحظة تاريخية غريبة مفارقة، صورة تلك المحاكمة المهزلة التي تعرض لها الحسين بن منصور الحلاج، وما أعقبها من صلب وجلد وحز للرأس وتقطيع للأوصال، بعد أن أدانه قضاة بوزن وفقه "مهلاوي ومكاشفي" ذلك الزمان بتهمتي الزندقة والإلحاد اللتين وجهتا إليه. وللمفارقة فقد كانت تلك أيضاً دولة بوليسية يحكمها العسس وسواري ليل بغداد عام 301 ه. ولم يكن جرم الحلاج إلا أن له عقلاً مفكراً وأنه أبصر ما لا يبصره الآخرون من خلال فلسفته ورؤيته الصوفية الشفيفة القائمة على فكرة الإيمان بوحدة الوجود التي يرقى فيها الإنسان في علاقته بربه إلى مرحلة نورانية روحانية من "الحلول". وما جرم الحلاج إن عجز قصور عقول أعضاء محكمة التفتيش تلك عن تأويل قوله شعراً:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا

نحن روحان حللنا بدنا

فإذا أبصرتني أبصرته

وإذا أبصرته أبصرتنا

وإلى أعواد المشنقة تقدم محمود واثقاً، ثابت الخطى وباسماً، لا لجرم ارتكبه سوى عقله المفكر وقدرته على رؤية ما لم يره الآخرون –سيما خصومه المتشددون من ذوي البصيرة المسدودة- كما سنرى من خلال دراستنا لجانب واحد فحسب من تراث فكره المتصل برؤيته للثقافة والفنون في سياق ريادته لحركة التجديد الفكري الديني وانتمائه إلى الاستنارة والحداثة من مواقع الفقه الديني نفسها.

ذاك محمود، ذاك ثوبه البسيط الناصع البياض، ذاك إبريق مائه وتلك فروته.. ذاك زهده وطهره وطهارته ... كيف تقتلوه؟ رأيت كل ذلك حيث كان في لحظاته الأخيرة، من زنزانة مقابلة لزنزانته، كانت قد حشرتنا فيها حشراً سلطات السجن التي أفرغت قسم الورشة بكامله حتى لا نشهده مباشرة وهو يتقدم طابور الإعدام. عندها كنت أهتف مع المحتجين وأشاركهم هز جدران السجن وأركانه بأصواتنا التي عانقت أصوات آلاف المتظاهرين والمحتجين في شوارع وبيوت كوبر المحيطة بالسجن. ولكنني بين نفسي كنت قد أدركت مقام الرجل، صحوت من غفوتي وغفلتي في إمعان النظر إليه مبكراً. لحظتها اجتاحني نهم عارم لكل ما كتب وقال، وندمت ندماً ما بعده على عدم زيارتي لحلقات إنشاده وحواره التي كان يقيمها بانتظام في منزله في بداية مدينة الثورة بأم درمان وأنا الغادي والرائح عبرها كل يوم! تلك هي اللحظة التي يشعر الواحد منا أن ثروة عظيمة قد تبددت وتسربت من بين أصابعه، دون أن يدري قيمتها أو يفيق من غفلة الحياة وتفاصيلها اليومية العابرة ليفتح عينيه على كنوز الذهب.

عادة قبر الرموز!

وإن كانت قد نازعتني منذ ذلك الوقت رغبة في قراءة فكر محمود كله والكتابة عنه، فقد تآكلت روحي سنيناً وسنين، حسرة على استهانة بلادنا كلها، دولة وشعباً ومؤسسات، وتفريطها المستفز في تراث ومكانة أعظم مفكريها وعلمائها ومثقفيها ومبدعيها في كافة المجالات. أين بالله تكون مكانة العشرات والعشرات من أذكى وأنبغ بنات وأبناء السودان من الشعراء والأدباء والفنانين والعلماء والباحثين النوابغ في مختلف المجالات، لو أنهم كانوا ينتمون إلى جنسيات أخرى، وأنجزوا ربع ما أنجزوه في بلد آخر وواقع آخر.. غير واقعنا نحن وغيربلادنا نحن؟ إلى متى هذه الخيبة المبينة وإلا متى نظل نقبر الرموز وهم أحياء وأموات؟! وبعض التجاهل يصدر عن "طيب خاطر وحسن نية" سودانيين. وبعضه ناشئ وقائم في ضعف أو غياب المؤسسات الثقافية نفسها، وكامن في ظاهرة الانقطاع في ممارستنا الثقافية واعتمادها على الظرفية وعادات المشافهة السيئة. وفي ظل واقع كهذا، كثيراً ما يعتمد الإبداع الفكري والثقافي على المبادرة الذاتية، بكل ما يحيط بها من ظروف حياتية ضاغطة ومكابدات عنيدة مع معركة توفير الحد الأدنى الضروري لحياة المفكر والمبدع، الذي يسعى مثل غيره إلى تحقيق شرط وجوده البيولوجي أولاً قبل أن يشطح إلى سماوات الإنسانية والإبداع!

كل هذا مفهوم ومن الممكن بل من الواجب معالجته. ولكن بعض الإهمال لئيم ومقصود ومتعمد، ويستمد لؤمه وقبحه من قبح وبدائية تقاليدنا السياسية السيئة، التي تربي الأفراد على بناء حاجز نفسي آيديولوجي سميك، يحجب البصيرة ويسد البصر، ويدفع الفرد في كثير من الأحيان، إلى تقديم الانتماء الحزبي السياسي الضيق، على المصلحة الوطنية العامة. ومن هذا الباب فما أضخم تراث الكيد السياسي البائر في حقل تقييم الفكر والإبداع. ولئن كانت الممارسة السياسية للجبهة الإسلامية "مشاترة" ومفارقة في كل شيء، لدى إصدارها قاموساً للشخصيات السودانية، حذفت منه بجرة قلم واحدة أسماء وقامات لا يستقيم للقاموس نفسه أن يحمل صفته تلك بدونها إلا إن كان قاموساً خاصاً بشخصيات من جزر القمر أو الكناري –شملت القائمة المحذوفة محمود محمد طه، فاطمة أحمد إبراهيم، عبد الخالق محجوب، الأمير عبد الرحمن نقد الله، الشفيع أحمد الشيخ- وغيرهم من الأسماء التي يطعن غيابها في قيمة القاموس، وفي نواياه ومحصلته، إن كانت تلك هي المشاترة العمياء بعينها، فما الذي يفسر سلوك برنامج توثيقي تلفزيوني قومي مخصص هو الآخر للتوثيق لحياة الشخصيات السودانية؟ أشير هنا إلى برنامج عمر الجزلي "أسماء في حياتنا" الذي لفت نظري فيه تلك العين الآيديولوجية الفاحصة في اختيار الشخصيات التي يوثق لها ويقدم. صحيح أن جعفر نميرى مثلاً كان اسما في حياتنا، ولكن أي اسم؟ مقابل ذلك تلاحظ غياب شخصيات كثيرة، هي التي تحمل وتعبر عن اسم البرنامج بمعناه الإيجابي بحق. دون أن أخوض في التفاصيل أسأل عمر الجزلي: ألم يكن مصطفى سيد احمد مثلاً اسماً كبيراً في حياة ملايين السودانيين ووجدانهم حتى بعد رحيله؟ وما هو المعيار الذي يحدد أن فلاناً أو علاناً كان اسماً في حياتنا نحن المفترى علينا؟ قبل ذلك، استضاف عمر الجزلي جعفر نميري فهل تذكر أن يستضيف محمود، أم أن هذا الأخير يندرج تحت قائمة "نكرات في حياتنا" المخبوءة في مكان ما بين أضابير الجزلي؟

عودة إلى أهمية دراسة تراث محمود وإسهامه الحداثي التنويري، فلا يزال من واجبنا حتى الآن، أن ننهض بهذه الدراسة كمفكرين ومثقفين، وأن نبين حجم الخسارة الفادحة التي ألحقها خصومه وجلادوه بثقافتنا وفكرنا وبحركة التجديد في الفكر الإسلامي كله. وما لم ننهض نحن بهذا الواجب فمن ننتظر أن يقوم به بالوكالة عنا؟ من جانبي كنت ولا أزال أطمح للقيام بهذا الواجب على مستوى أكاديمي مؤسسي، أضطلع فيه بتناول فكر وفلسفة محمود التنويرية، تناولاً مقارناً بفكر التيار الأصولي المتشدد، الذي ترضع اليوم من أثدائه كافة الحركات الإرهابية الناشطة على نطاق العالم، من السودان وحتى أفغانستان. ولتكن هذه الحلقة والحلقات التي تليها، المخصصة لدراسة جانب محدد من فكر وتراث محمود، ترجمة عملية لبعض هذه النوايا.


 

*عبدالجبار عبد الله

ناقد صحفي ومترجم
محاضر سابقا بجامعة الخرطوم وجامعة أمدرمان الأهلية 1994-2000 في علوم الترجمة

Email:gabarw@yahoo.com

 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco