header
 

حسنة بت محمود .. الشاهد الأخير : قناع أم مرآة ؟

أماني عبد الجليل*
 

تبدو شخصية حسنة بت محمود في نص الكاتبة تماضر شيخ الدين (حسنة بت محمود .. الشاهد الأخير)، كقناع (1) مناسب لصوت نسوي، يرغب أن يحاكم أو يدين مفاهيم نمطية جندرية حول الأنوثة والذكورة. وبالرغم من خصوصية المكان وأهميته كمتغير رئيسي بالنسبة للمفاهيم الجندرية، وعن الاختلاف الذي يظهر على هذه المفاهيم بين المجتمع الريفي، والمجتمع الحضري، إلى جانب محمولات المكان الاجتماعية / التاريخية الأخرى، إلا أن مشتركاً عريضاً حول هذه المفاهيم موجود في قرية صغيرة متخيلة كـ (ود حامد) الفضاء المكاني لرواية (موسم الهجرة إلى الشمال)(2)، وحتى في أكبر المدن العالمية الموجودة على خريطة الواقع الموضوعي .

السطر الأول من النص يبرز فيه صوت سارد /ة خارجي/ ة يصف لنا موقع ومكان الساردة المسيطرة على النص، ويشرح التناص الذي يتبدى في العنوان. في إحالة إلى رواية (موسم الهجـرة إلى الشمال)، فهي الرواية الوحـيدة التي توجـد بها شخصية تحمل اسم (حسنة بت محمود) ـ وقد أكد النص تلك الإحالة لاحقاً في استحضاره لأحداث وشخصيات الرواية.

"تقف حسنه بت محمود في شارع مظلم خارج الرواية"

وعدا هذا السطر، لا وجود لسارد / ة سوى حسنة بت محمود فهي المتكلمة الوحيدة فيما يشبه المنولوج. وجميع الضمائر المستخدمة هي ضمائر المتكلمة والمخاطب الحاضر والغائب، فالمتكلمة الوحيدة أنثى بينما جميع الضمائر المخاطبة مذكرة. كمحاولة فيما يبدو للثأر من مآلها في الرواية الأصل باعتبارها (نصف بطل) على حد تعبير النص:

"تريدون ان تعرفون اين ذهب مصطفى...ولماذا تركني والولدين والغرفة المسقوفة في متاريس السؤال؟؟؟
 

وماذا ننتظر نحن انصاف الابطال فى مجاهل الروايات...واواخر فصولها غير تبنى التسآول واحتمالات الاجابة؟؟؟ "

والنص/ المنولوج، عبارة عن مرافعة طويلة دفاعاً عن احد الأحداث الروائية التي أنجزتها شخصية حسنة بت محمود في رواية موسم الهجرة إلى الشمال، وأثرت في مجرى السرد وحسمت مصير شخصيتين من شخصيات الرواية، وهو قتلها لود الريس إثر اعتدائه عليها الذي أدى لموتها أيضاً.

ففي تقنية القناع تكون الشخصـية "شخصية تاريخية ـ في الغالب ـ يختبي وراءها الشاعر، ليعبر عن موقف يريده، أو ليحـاكم نقائص العصـر الحديث من خلالها" (3)، لكن نص (حسنة بت محمود الشاهد الأخير) استلف وجه حسنة الشخصية الخيالية من واقع متخيل آخر، وجر تفاصيل واقعة روائية إلى خارج المتن الروائي ليحللها ويفسرها، ويدين من خلال ذلك التحليل والتفسير والدفاع مفاهيم يرغب في إعلان رفضه وإدانته لها. ولا تقف إدانة ورفض حسنة في مواجهة مواقف وشخصيات الرواية فحسب، بل تمتد إلى القراء/ القارئات أيضاً، فالقضاة والمحلفون الذين يحملقون بدهشة جوفاء في جريمة حسنة بت محمود، يدخل في تشكيلتهم أيضاً القراء والقارئات الذين/ اللواتي يمثلن/ يمثلون ويتمثلن/ يتمثلون جزء من مفاهيم الثقافة الذكورية التي تدينها الساردة في منولوجها، ويبتدى ذلك من خلال استخدام ضمير المخاطب الغائب.

"ود الريس تفوق عليهم جميعا بالوصول إلى هذه الغرفة...كبشا لفداء القبيلة"

وإذا كان ما يحفز الناقد/ ة لمقاربة تقنية المرآة في نص ما، هو ورودها علناً أي لفظة المرآة أو متلازماتها كالماء أو الأسطح اللامعة، أو أبعاد المرآة النفسية كحب الذات وغيرها أو حضورها كرمز ميثيولوجي، ففي نص (حسنة بت محمود الشاهد الأخير) ما هو أكثر من ذلك إثارة لشهية رصد وتتبع واستجلاء هذه التقنية. ففكرة الانعكاس كأوضح سمة من سمات المرآة يعبر عنها بوضوح شديد في النص: فالأنوثة انعكاس الذكورة في مرآة المفاهيم الاجتماعية عن الجندر... الرقة مقابل القوة .. العاطفة مقابل العقل .. اللين مقابل الشدة وهكذا ... وها هو النص يعبر عن ذات الانعكاس بلسان الساردة .. فحسنة بت محمود ما هي إلا صورة مصطفى سعيد المنعكسة تبدت له تحت لجة القمر:

"مصطفى سعيد هو حسنه....هو الآخر الذي ولدته امرأة صامته
دموعها صامته ...وفجيعتها صامتة

جاءنى ...ليفك طلاسم اللغة الانثوية التى منحته الوجود
 

هل قلت جاءنى..

لا بالطبع...انا التى تبدت له

كشراع يتبدى تحت لجة القمر

انا التى تمظهرت له بالسكون الصاخب

ولوحت له بمفتاح الطلسم السرمدى..."

في الجدول التالي نحاول تتبع لبعض خصائص تقنيتي القناع والمرآة، وفقاً لبعض الخصائص التي أوردها الدكتور حـاتم الصكر في كتابه ( مرايا نرسيس )(4) وإيراد أمثلة لها من النص ما أمكن:

العناصر القناع ـ المرآة وجود العنصر في النص ملاحظات
موقع السارد مشارك داخلي في القناع موجود (ماذا تريدون مني، ها انا ذي أقف وسط بركة الدم، وأنا أحمل مدية الأنتقام الناعم، نعم قتلت ود الريس، ... الخ) يوجد موقعين للساردة
مراقب خارجي في المرآة موجود (تقف حسنة بت محمود في شارع مظلم خارج الرواية)
ضمير التلفظ المتكلم في القناع موجود (أنا اعرف دوري، قتلت، قطعت، ... الخ. وجود جميع الضمائر المفترضة (متكلم، مخاطب، غائب)
المخاطب في المرآة موجود ( تريدون، تنشدون، تعتلون، ....الخ)
الغائب في المرآة موجود (تفوق عليهم، يلهثون، إرتجف قلبه، تذوق، ..)
الزمن الماضي في القناع موجود

يختلط الزمن في زمن الأفعال السردية حيث توجد صيغ الماضي و المضارع.

في حين يظل زمن السرد في الحاضر.

الحاضر في المرآة موجود
الرؤية غنائية درامية في القناع غير موجودة ميل لخصائص المرآة
سردية درامية في المرآة موجودة
البنية وصفية ـ سردية في القناع موجودة اختلاط في البنية فهناك اسطر وصفية سردية وأخرى درامية سردية
سردية ـ درامية في المرآة موجودة
المرجع تاريخي في القناع لا يوجد المرجـع روائـي (واقع متخيل)
أسطوري / يومي في المرآة لا يوجد
الاستدعاء شخصيات في القناع موجودة (حسنة بت محمود) خصائص مختلطة
شخصيات أمكنة وأشياء مجردات في المرآة موجودة (حسنة بت محمود، ود الريس، الراوي، الجد، الغرفة، أخرى)،


ومن الجدول يبدو أن الإجابة على السؤال الذي طرحه عنوان هذا المقال من الصعوبة بمكان، فالنص يحمل سمات مشتركة وخصائص مختلطة لتقنيتي القناع والمرآة. وهو أمر فيه إثراء ومتعة إضافية عند القراءة.

يثير نص (حسنة بت محمود ... الشاهد الأخير) قضية التجنيس الإبداعي للنصوص، بسبب استخدامه المبدع لتقنيات عرفت بها عدة أنماط أو أجناس أدبية. إن التناص والإحالة والقناع والمرآة، المستخدمة في النص تقربه إلى الدرامية على حساب الغنائية وتزيح (أنا الشاعر) أو تزحزحها لمسافة كافية عن النص.

والميل إلى الدارمية ـ خاصةً الكتابة المسرحية ـ يبدو واضحاً في استهلال النص بتوصيف المشهد " تقف حسنه بت محمود فى شارع مظلم خارج الرواية"، ثم انتقاله إلى الحوار الذي يدور هنا على لسان شخص واحد فيما يشبه المنولوج المسرحي أو تقنية (مسرح الرجل الواحد). كما يتبدى هذا الميل في الاهتمام بالمكان والحركة والتجسيد:

"ها انذى اقف...وسط بركة الدم المفاجئة لصمتكم
وانا احمل مدية الانتقام الناعم
........
......
ها انا ذى اقف فى حد سيف المنية معه...وامامنا يقف ملك موت واحد
فى فوهة غرفة واحدة
غرفة واحدة ضمتنا سويا.. قبل سويعات..حرقت نساء الحى فيها بخور الصندل ... اسمينها، ياللسخرية... بيت عرس.
...............
...............
فلنمت انا وود الريس والسر والفضول فى غرفة...سقفها صندل
وارضها بركة من دم".
 

وتوغلاً في مسرحيته يورثنا نص (حسنة بت محمود .. الشاهد الأخير) إحساس المتفرج/ ة، كأنه يؤدى على مسرحٍ ما .. فعندما تخاطب الساردة القضاة والمحلفون تبدو وكأنها تتجه للجمهور، كأننا جميعاً نحن القراء والقارئات نشكل القضاة والمحلفين المخاطبين، ومع فإن الشعرية العالية للغة النص وأثره الشعري البائن، تجعل وصفه بالقصيدة مبرراً بما يكفي. فالأثر صار الآن من أهم معايير تجنيس النص.

وأيّاً كان الأمر فمما يحمد لهذا النـص هو استحضــاره لنمطين من أنماط الكتابة الإبداعية (المسرحية والشعرية) وانفتاحه عليهما معاً في إعلان سافر لعبثية قضية التجنيس الإبداعي وتجاوز واقع الكتابة لها.

أماني عبد الجليل

صنعاء ـ 4 مارس 2005م




 

هوامش:

(1) "يستعمل لفظ(القناع) للدلالة على شخصية المتكلم أو الراوي .. ويكون في أغلب الأحيان هو المؤلف نفسه .. ويظهر ذلك جلياً في ضمير المتكلم في الرواية أو في القصيدة، حيث لا يشترط أن يعادل (أنا) الراوي (أنا) المؤلف الحقيقي". حاتم الصكر: مرايا نرسيس، الأنماط النوعية والتشكيلات البنائية لقصيدة السرد الحديثة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، لبنان، الطبعة الأولى، 1999م، ص 71، نقلاً عن مجدي وهبة: معجم مصطلحات الأدب.

(2) رواية للروائي السوداني الطيب صالح.
(3) احسان عباس: اتجاهات الشعر العربي المعاصر، نقلاً عن حاتم الصكر: مرايا نرسيس، الأنماط النوعية والتشكيلات البنائية لقصيدة السرد الحديثة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، لبنان، الطبعة الأولى، 1999م، ص 72
(4) د . حاتم الصكر: مرايا نرسيس، مرجع سابق ص 83م


 

حسنة بت محمود .. الشاهد الأخير

تماضر شيخ الدين

تقف حسنه بت محمود فى شارع مظلم خارج الرواية
 

ماذا تريدون منى ايها القضاة والمحلفون؟؟؟

ها انذى اقف...وسط بركة الدم المفاجئة لصمتكم

وانا احمل مدية الانتقام الناعم
 

ولا آبه بشهيقكم المرتعب

نعم...قتلت ود الريس...وقطعت موطن شهوته وافتخاره الزائف
 

انتقاما لانسانيتى المكلومة

وثورة

ضارية ضدكم وضد صمتكم الريفى الطويل
 

اعرف انه لايعنيكم من جريمتى غير النميمة...فالدهشة التى ابديتموها مفتعلة...وصراخكم مفتعل...واندهاشكم غير صادق
 

لماذا قتلته؟؟؟

وهل يهمكم الامر الآن كثيرا؟؟؟

هل توقعتم غير ذلك؟؟؟...

ياللسذاجة...واللؤم

انا اعرف دورى بدقة

وانتم تعرفون دوركم

واعرف انكم حين تجمعتم فى الدار...تتصايحون

كنتم

تريدون سبر اغوارى المحتضرة لانكم تنشدون فيها ريحا لبحر آخر خلف سواحلى؟؟؟
 

فأنتم

عندما تعتلون هضابى فأنكم تنشدون ضباب افق آخر

اعرف اننى لم اكن يوما مبتغاكم ولا مبتغى الراوى ولا جده ولابت مجذوب ولا حتى ود الريس
 

ها انا ذى اقف فى حد سيف المنية معه...وامامنا يقف ملك موت واحد

فى فوهة غرفة واحدة

غرفة واحدة ضمتنا سويا.. قبل سويعات..حرقت نساء الحى فيها بخور الصندل ... اسمينها، ياللسخرية... بيت عرس.

ود الريس تفوق عليهم جميعا بالوصول الى هذه الغرفة...كبشا لفداء القبيلة
 

هل تعرفون لماذا كان رجال الحى يلهثون للارتباط بى والزواج منى؟؟؟

حتى الراوى ارتجف قلبه...فهو غير معصوم من جرثومة العدوى التى يتنزى بها جسم الكون
 

لم يرد احدهم الارتباط بحسنة بت محمود...بل ارادوا الزواج من ارملة مصطفى سعيد

كانوا رجالا ببعد واحد...افق واحد

وكان رجلا بالف
 

جميلة انا.؟؟؟..اعرف كم انا جميلة...ولكن جمالى لايلفت انظار هذه القبيلة....
 

مصطفى سعيد هو الرجل الذى استطاع ان يتذوق شموخى واباى
 

قامتى الفارعة...ويداى النظيفتان...

ملامحى الغامضة

كلها تفاصيل

كانت تباعد بيني وبين الزواج من احدكم... بينما جاءت به الى بابى

تظنون اننى لا اعرف نساءه البيضاوات ؟؟؟

لا...يا ايها المحلفون الجالسون على منصة الغيب

اعرف حقيقة واحدة

....مصطفى سعيد كان يبحث عنى
و عندما

قتل آن همند وشيلا غرينود وايزابيلا سيموروجين موريس... بغموضه الافريقى الساحر..

كنت انا فى غياهب الآتى و المستحيل....ادرى انه كان يبحث عنى

اعرف اننى لا اعنى لكم الا مدفنا اللغز الكبير وحارسا من حراس الجن فى مملكة الصمت والفجيعة...مصطفى سعيد

مصطفى سعيد هو حسنه....هو الآخر الذى ولدته امرأة صامته

دموعها صامته ...وفجيعتها صامتة

جاءنى ...ليفك طلاسم اللغة الانثوية التى منحته الوجود

هل قلت جاءنى..
لا بالطبع...انا التى تبدت له

كشراع يتبدى تحت لجة القمر

انا التى تمظهرت له بالسكون الصاخب

ولوحت له بمفتاح الطلسم السرمدى...

انا التى تعرفت على نصف تفاحتى ...الضائع...واغلقت عليه شرفات الشوق والمتاهة

مصطفى سعيد كان جنوبا يحن الى الشمال ....ولكنى كنت امرأة من كل الاتجاهات

رياحى شرقية وامطارى شمالية غاباتى جنوبية ...ورعودى من اقصى الغرب

تريدون ان تعرفون اين ذهب مصطفى...ولماذا تركنى والولدين والغرفة المسقوفة فى متاريس السؤال؟؟؟

وماذا ننتظر نحن انصاف الابطال فى مجاهل الروايات...واواخر فصولها غير تبنى التسآول واحتمالات الاجابة؟؟؟

انا افضل الصمت يا سادتى....

فلنمت انا وود الريس والسر والفضول فى غرفة...سقفها صندل

وارضها بركة من دم


 


* أماني عبد الجليل محمد
حاصلة على ليسانس حقوق، وعلى دبلوم عالي في الجندر.
تقيم بصنعاء ـ اليمن، و تعمل موظفة بجامعة صنعاء.
الاهتمامات: الآداب والفنون، البحوث الاجتماعية، قضايا الجندر.
لها عدد من المقالات والدراسات المنشورة بالصحف العربية ومواقع الانترنت، وكتابان تحت الطبع.

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco